لم أدخل الصحافة من باب خلفى، ولم تكن فى يدى بطاقة توصية تفتح لى الأبواب.. دخلتها من بابها الواسع، شاباً يحمل شهادة كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وحلماً أكبر من سنوات العمر.
تخرجت عام 1976، وبعد شهرين بالتمام والكمال جاء تعيينى فى جريدة «الجمهورية» كان ذلك أول موعد حقيقى لى مع صاحبة الجلالة، وأول خطوة فى طريق لم أكن أعرف إلى أين يقودني، لكننى كنت أعرف شيئاً واحداً، إننى أحببت المهنة قبل أن أعرف أسرارها.
كان وراء قرار تعيينى الراحل الكاتب الصحفى الكبير محسن محمد، الذى جاء إلى «الجمهورية» رئيساً للتحرير من جريدة «الأخبار»، بتكليف من الرئيس السادات.. كان التكليف واضحاً، الحد من تأثير الشيوعيين والاستعانة بالشباب، وكنت واحداً من هؤلاء الشباب.
لم أكن يومها أعرف أن ذلك القرار سيغير حياتى كلها.
كانت البداية فى قسم الأخبار، وكانت الصحافة فى ذلك الزمن شيئاً آخر.. ميداناً مفتوحاً للمنافسة، وساحة حقيقية يتبارى فيها «الأهرام» و»الأخبار» و»الجمهورية» على الخبر والتحقيق والانفراد والمتابعة وكشف الحوادث والقضايا وكل ما يهم المواطن.
لم تكن الصحيفة مجرد أوراق تصل إلى القارئ كل صباح، بل كانت حدثاً ينتظره القارئ، ومنافسة تنتظرها الصحف، ومعركة يومية يخوضها الصحفى بقلمه وقدميه وعلاقاته وقدرته على الوصول إلى المعلومة.
كانت الصحافة تُمارس بالأقدام قبل الأصابع.
لم يكن هناك إنترنت، ولا هاتف ذكي، ولا مواقع إلكترونية، ولا محركات بحث. كان الخبر يُنتزع من الميدان.. وكانت المعلومة تحتاج جهداً وصبراً ومتابعة.. كنا نعقد اجتماعنا الصباحى فى الجريدة، ثم نستقل الأتوبيس إلى الوزارات التى نغطيها.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم نكن نبحث عن السهولة.
كنا نعود سعداء إذا عدنا بخبر.. ونشعر أن يومنا لم يذهب هباء إذا حققنا انفراداً.. كان السبق وقتها شهادة ميلاد حقيقية للصحفي، وكان الخبر الجيد يستطيع أن يفتح لصاحبه طريقاً جديداً.
أذكر أننى كنت أتعلم كل يوم شيئاً جديداً، كيف تسأل؟ متى تصمت؟ متى تصر على السؤال؟ كيف تميز بين المعلومة والشائعة؟ وكيف تعرف أن وراء الخبر الصغير حكاية أكبر؟
وهذه أشياء لا تعلمها الكتب وحدها.. الميدان هو المدرسة الأولى والأخيرة للصحفي.. وكان محسن محمد يعرف هذه الحقيقة جيداً.
تسّلم «الجمهورية» وهى توزع بضعة آلاف من النسخ، واستطاع أن يقترب بها من المليون.. لم يكن الأمر سراً معقداً.. كان منحازاً إلى القارئ.
كان سنداً للدولة والحكومة فى تحدياتها وقضاياها، لكنه لم يسمح لهذا الدور بأن يطغى على حق القارئ فى المعرفة، كان يعرف أن قوة الصحيفة تبدأ من احترام قارئها، وأن مساندة الدولة لا تعنى أن تفقد الصحافة مهنيتها.
من محسن محمد تعلمت، كما تعلم كثيرون من أبناء جيلى، أن رئيس التحرير الحقيقى لا يصنع صحيفة من مكتبه، وإنما يصنعها من إيمانه بالصحفى وبالقارئ وبقيمة الخبر.
كان الاختلاف سر المنافسة، والمنافسة هى التى تصنع القارئ.
حتى رؤساء التحرير كانوا يتنافسون على الانفراد بالأخبار السياسية، وبعضهم كان يصل إلى خبر تغيير وزارى أو حدث مهم قبل وقوعه، فيصبح الخبر حديث الناس فى اليوم التالى.
كانت المهنة يومها أكثر بساطة فى أدواتها، لكنها أكثر صعوبة فى الوصول إلى الحقيقة.
كانت التغطية تُمنح لمن يستحقها.. وكانت الهياكل الإدارية محدودة.. لم يكن فى المؤسسة ذلك العدد الكبير من نواب رؤساء التحرير ومديرى التحرير ورؤساء الأقسام.
كانت المناصب قليلة، لذلك كانت المنافسة عليها مرتبطة بالإنجاز والقدرة.
أما حين أصبحت الترقية فى كثير من الأحيان مرتبطة بالأقدمية، فقد تراجع أحد أهم دوافع العمل، شعور الإنسان بأن اجتهاده يمكن أن يصنع الفارق.
أذكر أن محسن محمد كان يعرف قيمة التحفيز.
منحنى أكثر من سبع علاوات استثنائية، ومنح غيرى أيضاً تقديراً للجهد والتميز.. وكانت العلاوة وقتها أكثر من زيادة فى الراتب، كانت رسالة تقول للصحفى، نحن نراك، ونقدر ما تفعل، وننتظر منك المزيد.
وقد تكون هذه الجملة البسيطة واحدة من أهم أسرار الإدارة الناجحة.
فالإنسان لا يعيش بالراتب وحده. يعيش أيضًا بالتقدير.